ابو البركات

317

الكتاب المعتبر في الحكمة

منها فكيف ان يستثبتها أو شيئا منها وهذه الأفعال التي تتعلق بالغذاء والنماء افعال كثيرة في كثير من الأعضاء هي في الزمان الواحد معا وفي التتابع على اتصال لا فترة فيه للشعور بالادراك فكيف لاستثبات المدرك فكيف يحفظ ما يستثبت فكيف يتذكر ما يحفظ لان اللاحق منها يشغل عن السابق لو خاطبك انسان خطابا متصلا حثيثا غامض المعنى لأشكل عليك فهم ما يقوله بل استثبات قوله فكيف ان تتأمل معناه وتحفظه حتى يتلوه ما بعده فكيف ولو خاطبك معه آخر ولم يكن التفاتك اليه عندك أولى من التفاتك إلى الأول ولا الأول « 1 » منه فكيف فيما هو أكثر من ذلك اتصالا وأشد خفاء وازدحاما فليس كوننا لا نعلم بمعرفتنا بهذه الأحوال دليل على انا لا ندركها بل على انا لا نستثبتها ولا نتوقف عليها في الادراك اما للذهول عن بعضها بالبعض مما يتلوه أو يزاحمه أو لكونها على التدريج الخفي أو لجميع ذلك . تأمل حال السكران والمريض باختلاط الذهن والنسيان كيف يفعل ما لا يعلم به ولا يدلنا ذلك على أن فاعلها في أبداننا غيرنا اى غير النفس التي هي ذات الواحد منا وهويته من القوى التي يقال انا ندرك ونتحرك بالإرادة بها أو غيرها وفيما يأتي ما يزيدك بهذا علما . واما القول والاعتبار بوجود هذه الأفعال وصدورها عن اشخاص دون اشخاص من أنواع دون غيرها من النبات والحيوان وان القوة على ذلك الفعل موجودة فيما هو صادر عنه غير موجودة فيما لا يصدر عنه فغير موثوق به أيضا ولا هي مما يقطع بها فانا نعلم أن الأعمى بل المعصوب العين ليس لا يبصر لفقدان القوة الباصرة بل لفقد الآلة أو لعائق مانع للآلة عن فعلها فكذلك قد يجوز أن يكون المانع في بعض الاشخاص من بعض الأفعال دون بعض عدم الاستعداد في ذلك الشخص أو في ذلك النوع لا عدم القوة أو ما نبينه فيما بعد مما أشارت اليه القسمة المتقدمة للقوى وهو كون النفس التي لذلك النوع غير النفس التي لهذا فهي تقوى وتقدر على بعض الأفعال دون بعضها .

--> ( 1 ) سع - ولا إلى الأول .